أحارب لأجل مساحتي الخضراء

 

 

كتبت: هدير الحضري 

في يوم دافئ من فبراير 2020، غادرت قطار النوم الذي حملني إلى القاهرة وأنا منتشية بالذكريات السعيدة. كنتُ قد أنهيتُ للتو رحلة قضيتها مع عائلتي لمدة أسبوع على متن سفينة نهرية من أسوان إلى الأقصر، لاحقا عرفتُ – ويا للمصادفة – أنها كانت البؤرة الأولى لإصابات كورونا في مصر.

في محطة القطار، وقعت عيني على مُلصق ورقي على الجدار مكتوب عليه بخط عريض “إرشادات للوقاية من فيروس كورونا المستجد”. شعرت بهلع غريب، أليست مصر حتى الآن خالية من الإصابات؟ أليس الخطر بعيدا جدا كما يبدو؟ ومع أن المنطق والواقع يقولان إن تفكيري في غاية السذاجة، لكنني في هذه اللحظة تحديدا قررت أن أحتمي في ظل شعوري الوهمي بالأمان. 

مضت عدة أيام بعد هذا التاريخ ليصدر بيان رسمي من وزارة الصحة المصرية كالقنبلة، ويعلن اكتشاف 12 حالة على متن السفينة التي كنا نستقلها. كانت الحالات المصابة موجودة في نفس توقيت إقامتنا، وأذكر كم كان لكلمة “كورونا” حينها وقع ثقيل ومخيف، أكثر بمراحل مما هي عليه الآن. قضينا عدة أيام في ترقب وقلق من ظهور أعراض العدوى، ثم مر الأمر بخير. لكن حياتي لم تعد كالسابق أبدا.

وبالتدريج، بدأت الجائحة تلقي بظلها على حياتي الشخصية لتزيدها صعوبة ومشقة. توقف ابني ذو العام الواحد عن الذهاب إلى حضانة الأطفال، وتأثرت قدرتي على العمل بشدة، فلم أستطع إنجاز عدة مشاريع صحفية كنت بصدد إنهائها. تراجعت حياتي المهنية وتحوّل قلقي إلى كوابيس جعلت نومي متقطعا ومحشوا بالخوف. زادت المهام المنزلية ثقلا، واستجد عليها تعقيم كل ما نشتريه بحرص شديد. اعتزلنا الأهل والأصدقاء، واحتمينا بجدران المنزل، وتضررت صحتنا النفسية بشكل كبير. لاحقا، حين قررت أخيرا بعد عدة أشهر أن ألتقي بأحد الأصدقاء وأغادر المنزل، شعرت بالاضطراب وبأنني غير قادرة على البقاء بالخارج أو الاستمرار في محادثة طويلة مع أي كائن بشري، وعدتُ على الفور. كذلك طفلي الذي أدار له العالم ظهره قبل حتى أن يعرفه، أصبح متوترا وخائفا من الجميع ومنغلقا على نفسه.

في هذا التوقيت، تطلّب منّي العمل إعداد تقارير صحفية عن تأثير جائحة كورونا على أوضاع النساء العربيات على مستويات مختلفة. وحين أنهيتها، شعرت بمزيد من الإحباط والتعاسة، وبدأ وحش القلق يتضخم في عيني من جديد ويتحفز ليلتهمني. كنتُ أرى أننا كنساء باختلاف ظروفنا الاجتماعية ندفع ثمنا باهظا لهذه الجائحة جسديا ونفسيا بعد أن تضاعفت مهام المنزل  ومسؤوليات الأطفال، وأصبحت الدراسة إلكترونية، إلى جانب التأثر المهني والاقتصادي. في إحدى القصص، أجريتُ مقابلات مع نساء عربيات من بلدان مختلفة عن تأثر أعمالهن، منهن من فقدت وظيفتها المرموقة في مجال السياحة الذي كان أكثر القطاعات تضررا، وأصبحت تقلل النفقات بشدة لتكفي الطعام اليومي فقط حتى لا تضطر إلى “مد يدها لأحد”. كثيرات فقدن وظائفهن مع إغلاق المطاعم وصالونات التجميل والأماكن الترفيهية، وتعرضت أخريات لتقليل رواتبهن مع الأزمات التي لاحقت النظام الاقتصادي وعدم قدرة أصحاب الأعمال على الوفاء بأجور العاملين. أما العاملات بـ”الأجر اليومي” فلم يكن لديهن أي اختيار، اضطررن إلى الخروج يوميا ومواجهة مخاطر العدوى لأن بقائهن في المنزل يعني غياب المبلغ البسيط الذي يساعدهن على العيش. و في السياق نفسه، دفع الوباء بعض النساء إلى اختيار ترك وظائفهن رغما عنهن، إما خوفا من الإصابة بفيروس كورونا (خاصة العاملات في المجال الطبي) أو لرعاية أطفالهن في هذه الظروف الخاصة والعصيبة.

بعد عدة أشهر من الوباء بدأت تظهر إحصائيات مقلقة تشير إلى الآثار السيئة المنعكسة على النساء. ففي 18 مايو/أيار الماضي، قال مركز قضايا المرأة المصرية، بناء على دراسة بحثية أجراها، إن 84% من النساء فقدن أعمالهن أو انخفضت أجورهن بسبب وباء كورونا. وكانت العاملات بأجر يومي هن الأكثر تضررا، وعانين من أجل البقاء على قيد الحياة. كما أشارت الدراسة إلى تدهور أوضاع النساء الفقيرات، ووجدت أن الاحتياجات الأساسية كانت أهم ما يؤرق المشمولات بالدراسة في فترة الوباء، مثل الطعام والعلاج والإيجار والفوط الصحية وألبان الأطفال والحفاضات، إضافة إلى معاناتهن من ضغوط نفسية وأعراض جسمانية سببها نفسي.

أما منظمة العمل العربية، فقالت في بيان لها في 29 مارس/آذار الماضي، إن الجائحة ستؤدي إلى إدخال المزيد من الفقيرات إلى سوق العمل غير المنتظم نتيجة الصرف من الخدمة الذي يلجأ إليه أرباب العمل بسبب الركود. كما ستتأثر رائدات الأعمال الصغيرة بشدة لأنهن يكافحن في بيئة تنافسية صعبة ودون وسائل دعم وتمويل كافية. كما أن النساء العاملات في السوق غير المنتظم، مثل البائعات في الشوارع وغيرهن، تعرضن لفقدان عملهن في ظل الإجراءات الاحترازية ضد الوباء، بالإضافة إلى احتمالية إصابتهن بالعدوى بسبب غياب وسائل الحماية.

كان هذا على المستوى الاقتصادي، أما على المستوى الاجتماعي فكان التأثير مرعبا أيضا. وظهرت تقارير عالمية تشير إلى ارتفاع نسبة العنف المنزلي ضد النساء مع قرارات الإغلاق والتدابير الاحترازية التي تطالب الناس بالبقاء في منازلهم. كما حذرت منظمة الصحة العالمية من أن خطر تعرض للنساء للعنف سيتفاقم بسبب الإجهاد والتوتر، وتفكُّك الشبكات الاجتماعية وشبكات الحماية، وفقدان مصدر الدخل، وانخفاض إمكانية الحصول على الخدمات. وبرغم أن التقارير أشارت إلى زيادة نسبة المتعرضات للعنف إلا أنها رصدت أيضا انخفاض نسبة من يلتمس المساعدة منهن إما لحظر الخروج أو الخوف من العدوى.

 الوضع العام بمرور الوقت جعل الخوف جزءا أصيلا مني، عضوا من جسدي ومساهما في تكويني ورفيقا أبديا لا يمكن التخلص منه. قضيت شهورا طويلة وأنا أخشى ملامسة الأشياء والاقتراب من البشر، وتفيض عيناي بالخوف إذا لامس طفلي الصغير أي شيء، وأهرول إليه بالكحول. كل الأحلام والأمنيات المبهجة تبدلت إلى أفكار مزعجة وكئيبة. وتحولت ترتيبات إلى السفر إلى خطط للبقاء آمنين لأطول وقت ممكن. حتى الأمنيات التي اختزنتها لطفلي حين أكمل عامه الأول قبل بداية الجائحة  تحولت إلى قلق مفرط بسبب تأثر صحته النفسية وتأخر نطقه للكلام وشعوره بالرعب تجاه العالم. كل مساحاتي الخضراء تتبدد، ويأتي محلها أراضٍ بور بألوان كئيبة. أبحث عن نقطة ضوء أحيانا لأستمد بعض الطاقة وأواصل السير… أسقط ثم أنهض لأجل من أحبهم. 

كل هذا القدر من الخوف والحذر لم يحمني من الإصابة بفيروس كورونا بالطبع، ولا حتى جعلني متماسكة أكثر حين اكتشفت إصابتي. وحين فقدت حاسة الشم، شعرت بارتباك شديد وخوف. نظرت إلى طفلي ذو العامين ولم أدرِ ماذا أفعل. كيف سيفهم أنه لن يستطيع ملامستي أو النوم بجانبي؟ لن أطعمه أو أغير ملابسه أو ألعب معه لأسبوعين على الأقل! 

حصل زوجي على إجازة من العمل ليرافقه، في حين بقيتُ أنا معزولة ووحيدة في إحدى غرف المنزل، وعلى يميني منضدة مكتظة بأقنعة الوجه والأدوية والكحول. اختبرت أياما لم أتوقعها، وكنت أميل إلى التصديق بأنه مجرد حلم عابر وسأستيقظ في الغد ليكون كل شيء قد انتهى. لكن الأمر الإيجابي أننا كأسرة اكتشفنا أن هناك الكثير من المهام التي كنتُ أقوم بها لطفلي كامرأة وأم استطاع أن يقوم بها آخرون أيضا. كنتُ أظن أن طفلي لن يستجيب سوى لي. لكن التجربة أثبتت العكس، فقد استجاب لأبيه وسمح له بأن يرافقه للنوم والاستحمام، وأن يطعمه ويشاركه ألعابه المفضلة.

لا شك أن جائحة كورونا هي أسوأ كوابيسنا على الإطلاق. ولا شك أن الجميع تضرر بدرجات. لكن مشاهداتي للنساء على وجه الخصوص – على الأقل في محيطي الشخصي – جعلتني أدرك أن معاناتهن وتحدياتهن تضاعفت، وأنهن في حاجة حقيقية إلى تقديم المساعدة على مستوى المهام وعلى المستوى النفسي. هذه المساعدة التي تحصل المحظوظات منهن فقط عليها.

في هذا العام، تعلمت كيف أحارب بقوة لأحافظ على ما تبقى لدي من مساحات خضراء، لأدفع عن روحي ضد القتامة واليأس. كلما شعرت بأن العالم يضيق الخناق حول عنقي، أنفض أفكاري السوداء وأستعيد في قلبي نقاط الضوء وألتمس بعض الأمان. أقول: أنا قوية ولن أسقط، يحق لي الارتباك، التعثر، الضعف، الانكسار، لكنني قادرة على التجاوز والبدء دوما من جديد.

تعلمت أنه لا يمكن لأحد مساعدتي لو لم أساعد نفسي أولا. بدأت بمنح نفسي بعض الدلال الذي تستحقه. وأوليت المزيد من الاهتمام للتفاصيل الصغيرة التي تمنحني السعادة، كتناول الإفطار رفقة صديقة، أو قضاء نهار كامل بمفردي أنظر إلى السماء المفتوحة وأمامي كوب من القهوة وقطعة حلوى. أذهب إلى صالون التجميل لأجل بعض البهجة أو أشتري بعض الملابس. تعاملت مع نفسي كأن لدي طفل ثانٍ يحتاج إلى الصبر للتعرف على طباعه ورغباته واحتياجاته، وإلى احتضانه حين يكون متعبا ومنزعجا حتى يهدأ. منحت نفسي الطاقة لأحافظ على قدرتي على المنح وعلى الوجود بخير بين أحبائي في هذا العالم المعقد.

أحتاج إلى الضوء لأظل مصدر الشمس في بيتي الصغير. 

 

Share Button

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.